العيني
28
عمدة القاري
عن نافع ، كما رواه مالك . ورواه يونس بن يزيد عن نافع أيضاً كذلك ، وكذا رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن سالم ابن عبد الله عن أبيه . ورواه مسلم من حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلاَّ ووصيته مكتوبة عنده ) ، ورواه من حديث ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم قال : ( ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ثلاث ليال إلاَّ ووصيته عنده مكتوبة ) . وأخرجه الترمذي من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال النبي ، صلى الله عليه وسلم : ( ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه إلاَّ ووصيته عنده مكتوبة ) ، وأخرجه النسائي عن محمد بن سلمة عن أبي القاسم عن مالك به . وأخرجه ابن ماجة من حديث عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر نحو رواية مسلم . ذكر معناه : قوله : ( ما حق امرئ مسلم ) كلمة : ما ، بمعنى : ليس ، هكذا وقع في أكثر الروايات بلفظ مسلم ، وليست هذه اللفظة في رواية أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مالك ، والوصف بالمسلم هنا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ، وذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك ، وعن قريب نحرر ذلك . قوله : ( له شيء ) . جملة وقعت صفة . لامرىء . قوله : ( يوصي فيه ) جملة فعلية وقعت صفة لقوله : شيء . قوله : ( يبيت ليلتين ) ، جملة فعلية وقعت صفة أخرى لامرىء ، وقال بعضهم : يبيت ، كان فيه حذفاً ، تقديره : أن يبيت ، وهو كقوله : * ( ومن آياته يريكم البرق ) * ( الروم : 42 ) . انتهى . قلت : وهذا قياس فاسد وفيه تغيير المعنى أيضاً ، وإنما قدر أن في قوله : يريكم ، لأنه في موضع الابتداء ، لأن قوله : ومن آياته ، في موضع الخبر ، والفعل لا يقع مبتدأ فيقدر : أن ، فيه حتى يكون في معنى المصدر فيصح حينئذ وقوعه مبتدأ ، فمن له ذوق من العربية يفهم هذا ويعلم تغيير المعنى فيما قال . قوله : ( إلاَّ ووصيته ) ، مستثنى ، وهو خبر : ليس ، والواو فيه للحال . وقال صاحب ( المظهر ) : قيد ليلتين تأكيد وليس بتحديد ، يعني لا ينبغي له أن يمضي عليه زمان وإن كان قليلاً إلاَّ ووصيته مكتوبة ، وقال الطيبي : في تخصيص ليلتين تسامح في إرادة المبالغة ، أي : لا ينبغي أن يبيت ليلة ، وقد سامحناه في هذا المقدار ، فلا ينبغي أن يتجاوز عنه . وقال النووي في ( شرح مسلم ) : وفي رواية : ثلاث ليال . قلت : هو رواية مسلم والنسائي من طريق الزهري عن سالم عن أبيه : يبيت ثلاث ليال ، والحاصل أن ذكر الليلتين أو الثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها ، ففسح له هذا المقدار ليتذكر ما يحتاج إليه ، واعلم أن لفظ مالك في هذا الحديث لم تختلف الرواة فيه عنه ، وفي رواية أحمد عن سفيان عن أيوب بلفظ : ( حق على كل مسلم أن لا يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه . . ) الحديث ورواه الشافعي ، رحمه الله ، عن سفيان بلفظ : ( ( ما حق امرئ يؤمن بالوصية . . . ) الحديث ، قال ابن عبد البر : فسره ابن عيينة : أي يؤمن بأنها حق . وأخرجه أبو عوانة من طريق هشام بن الغاز عن نافع بلفظ : ( لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين . . . ) الحديث ، وأخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة عن مالك وابن عون جميعاً عن نافع بلفظ : ( ما حق امرئ مسلم له مال يريد أن يوصي فيه . . . ) وذكره ابن عبد البر من طريق ابن عوف بلفظ : ( لا يحل لامرىء مسلم له مال ) وأخرجه الطحاوي أيضاً ، والله أعلم . ذكر ما يستفاد منه : فيه : حث على الوصية ، واحتجت به الظاهرية أنها واجبة ، وقال الزهري : جعل الله الوصية حقاً مما قل أو كثر ، قيل لأبي مجلز : على كل مثر وصية ؟ قال : كل من ترك خيراً ، وقال ابن حزم : وروينا من طريق عبد الرزاق عن الحسن بن عبد الله ، قال : كان طلحة بن عبيد الله والزبير يشددان في الوصية ، وهو قول عبد الله بن أبي أوفى وطلحة بن مصرف والشعبي وطاووس وغيرهم . قال : وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا ، وقالت : طائفة ليست الوصية بواجبة . كان الموصى موسراً أو فقيراً ، وهو قول النخعي والشعبي والثوري ومالك والشافعي ، وقال ابن العربي : أما السلف الأول فلا نعلم أحداً قال بوجوبها . وقال النخعي والشعبي : الوصية للوالدين والأقربين على الندب ، وقال الضحاك وطاووس : الوصية للوالدين والأقربين واجبة بنص القرآن إذا كانوا لا يرثون : وقال طاووس : من أوصى لأجانب وله أقرباء انتزعت الوصية فردت للأقرباء . وقال الضحاك : من مات وله شيء ولم يوصِ لأقربائه فقد مات عن معصية لله ، عز وجل ، وقال الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن يعلى ، فيما ذكره الطبري : إذا أوصى رجل لقوم غرباء بثلثه وله أقرباء ، أعطي الغرباء ثلث المال